مانيفستو لاستعادة المكان

نداءٌ لتدوين مبادئ تجمعنا.

«البيوت التي فقدناها إلى الأبد تظلُّ حيَّةً في داخلنا، وهي تُلِحُّ علينا لمعاودة الحياة وكأنها تتوقع منا أن نمنحها تكملةً لما ينقصها من حياة» — غاستون باشلار.

لطالما شكَّل فقدان البيت خسارة العائلة بشكلها الكلاسيكي، فالعائلة كركيزةٍ أساسيةٍ ونواةٍ تشكِّل مجتمعاتنا تتخلخل بفقدانها البيت، لهذا تتوحد وتناضل «مجتمعات أهل البيت» للحفاظ على المقر الذي يعكس وحدتها ويعزز وجودها، فأهل البيت مرتبطون باستمرار وجود المكان المادي، فالبيت هو ركن العائلة في هذا العالم، البيت هو عالمنا الأول. إنه كونٌ حقيقي بكل ما للكلمة من معنى، قبل أن يُلقى الإنسان في العالم، يكون موضوعًا في مهد البيت.

هذا المكان الذي دُمّرَ، وهُجّرَ، وأُبيدَ، واقتُلِعَ على مدار أكثر من عقدٍ من السنوات.

لنناضل لاستعادته، لاستعادة ما خسرناه. من الوحدة الأصغر التي هي البيت إلى الوحدة الأكبر وهي الأرض والمدينة.

لنعِدِ التَّجذُّر مع أرضنا، فالتجذّر لا يعني مجرد الإقامة في مكان، بل ينشأ من مشاركةٍ حقيقيةٍ وفاعلةٍ وطبيعيةٍ في حياة جماعة تحفظ ماضيها الجمعي، وتحمل في الوقت نفسه تصوراتٍ وتطلعات للمستقبل. البيت ليس ملكيةً فقط، والمكان ليس أرضًا فقط، المكان هو شبكة المشاركة التي تجعل الإنسان جزءًا من جماعة. ولذلك فإن اقتلاع الإنسان لا يعني فقدان عنوانٍ أو عقار، بل قطع سلسلةٍ من العلاقات التي كانت تمنحه جذوره.

فهل تختفي المدينة الحلم، المدينة التي كنا نعرفها والمدينة التي نتصورها؟ هل تختفي بسرعةٍ تطمس معها صورتها في ذاكرتنا، ولا يمكن استعادتها؟ لكن العلاقة مع المكان أكثر ترسخًا، فبالرغم من كل الممارسات الوحشية لنزع الملكية والتهجير القسري وسلب الأراضي والمساكن وتغيير شكل المدن، لا تزال علاقتنا بالمكان موجودةً بأشكالٍ مختلفة، حتى لو ورقيًّا فقط بعد المنفى والنزوح. فحين «يُقتلع الإنسان يصبح وجوده القانوني أهم من وجوده الإنساني» كما تحدث برتولد بريشت.

الكل يناضل لاسترجاع ما كان هنالك، ولبناء حاضرٍ يشبهنا ونشبهه، حاضرٍ يتمثل بمكانٍ لنا، مكانٍ نتجذر فيه ونرتبط به بعلاقةٍ تُبنى بقدر ما تُبنى الجدران التي تحتضنها. يتشكل من الوجوه المتعبة التي تلتقي فيه، ومن الأقدام المثقلة التي تحفظ طرقه. «المكان ليس حيث نكون فقط، بل حيث تراكمت حياتنا» كما يقول درويش، ومن الأشجار التي تكبر مع سكانها، ومن الساحات التي تتسع للنقاش والاحتفال والاحتجاج، ومن البيوت التي تحمل آثار من مرُّوا بها، ومن الحكايات التي تستقر في الذاكرة الجمعية حتى تصبح جزءًا من هوية المكان. وما يتراكم في هذه التفاصيل يتحول مع الوقت إلى معرفةٍ اجتماعية، معرفةٍ تصنعها الحياة اليومية، وتتداولها المجتمعات، وتمنح كل مكان شخصيته الخاصة.

لتحيا مدننا.

يضع ابن خلدون في مطلع حديثه عن العمران في مقدمته قاعدةً راسخة: «إن الاجتماع الإنساني ضروري». ثم يوضح هذا المعنى بالقول إن «الإنسان مدنيٌّ بالطبع»، وإن الاجتماع الذي تقوم به المدينة «هو معنى العمران». بهذه الصياغة يصبح العمران اسمًا للحياة التي يصنعها الناس معًا، وللعلاقات التي تجمعهم، وللأعمال التي يتعاونون عليها، وللقواعد التي تنظم وجودهم المشترك داخل المكان.

يبدأ المكان من حاجة الإنسان إلى الآخرين. يحتاج الفرد إلى من يشاركه المعرفة والعمل والحماية والإنتاج، وتحتاج الجماعة إلى فضاءٍ يتيح لها الاجتماع وتدبير شؤونها وتطوير أدوات عيشها. كل عنصرٍ في العمران يحمل أثرًا لهذا الاجتماع، وكل تحولٍ يطرأ على العلاقات بين الناس يجد طريقه إلى شكل المكان ووظيفته ومعناه، وكل خللٍ ضمن هذا السياق تنعكس صورته على شكل المدينة والحياة، فتغدو المدينة مدمرةً أو مشوهةً أو منقوصةً وخاليةً من روحها، وتغدو الأرض غريبةً وغير متوافقةٍ مع ذاكرتها.

التعافي المكاني ممارسةٌ اجتماعيةٌ تنمو داخل هذه المعرفة. يبدأ كلما استعادت جماعةٌ قدرتها على الاجتماع، وكلما عاد الناس إلى الإصغاء لذاكرة أماكنهم وإلى إعادة اكتشاف احتياجاتها، وإلى تخيل مستقبلها معًا. يحمل كل فعلٍ صغيرٍ أثرًا في هذه العملية.

 دكانٌ يفتح أبوابه، وشجرةٌ تُزرع، وساحةٌ تستقبل لقاءً عامًا، ومسرحٌ يحتضن عرضًا، ومدرسةٌ تعود مساحةً للتعلم، ومبادرةٌ محليةٌ تمنح الناس فرصةً للمشاركة في تقرير شكل المكان الذي يعيشون فيه. ومن خلال هذه الممارسات تتكون المبادئ التي تقود التعافي، وتتراكم الخبرات التي تمنح المجتمعات قدرتها على إعادة تشكيل فضاءاتها.

تحمل كل تجربةٍ معرفةً، وتحمل كل معرفةٍ مبدأً، وتصبح المبادئ أكثر رسوخًا كلما انتقلت بين الناس وتحولت إلى ممارسةٍ مشتركة، ولهذا تنمو مبادئ المكان داخل الحياة اليومية، وفي العمل الجماعي، وفي الحوار، وفي مراجعة التجارب، وفي الإصغاء للذاكرة، وفي الانفتاح على الخيال، وفي القدرة على مساءلة ما اعتدناه من طرق إنتاج الفضاء وإدارته.

لا يقتصر النضال لاستعادة المكان على اللحظة الراهنة والتطلع إلى المستقبل، بل يشمل نظرةً أعمق ونقديةً لعلاقتنا بالمكان، ولشكل المكان وتقسيماته، والنبش في علل المكان، ونظرةً نقديةً راهنةً للتغيرات الآنية التي تطرأ عليه. لنفهم التوسع العمراني، ولنفكر في النزوح والهجرة، ولنفهم مدن الاستثناء، ونعود إلى الريف المنسي. النضال من أجل الحق في الفضاء العام الآمن، وضمان حرية الوصول إلى الحقيقة، وجعل الفضاء العام بيئةً قادرةً على التنشئة الاجتماعية والعمل السياسي.

ولنعِد تأمل علاقتنا بالمدن، دون اعتباراتٍ نوستالجيةٍ ورومانسية، ودون رفع مدننا إلى مرتبة المدن الأيقونية التي تمتلك في الوعي الجمعي العديد من المعاني الرمزية السياسية والاجتماعية وغيرها. لكن هذه المعاني تخلق وصمًا رمزيًّا لما يختلف عن المدن الأيقونية، وصمًا يصل إلى قاطني العشوائيات والمخيمات وأماكن النزوح والتهجير، فتُوصَم هذه الأمكنة بأنها ما دون صورة المدينة، وبشكلٍ تلقائي ينتقل هذا الوصم إلى سكانها، فتقل حظوظ المشاركة في النشاطات الاجتماعية والسياسية والمدنية. ويغدو هذا أكثر وضوحًا في ميدان الثقافة والفنون، كما يتحدث عالم الاجتماع بيير بورديو. فالضغط الذي يعانيه قاطن الأحياء الموصومة أكبر/ أحياءٌ أكثر فقرًا وأكثر بعدًا عن المتطلبات الضرورية لحياةٍ عادية.

لنفهم التغييرات التي حصلت والتغييرات التي لا تزال تحصل، ولنطالب بحقنا في المدينة، وحقنا في البيت، وحقنا في الأرض. لندافع عن البيت وعن قاطنيه، ولندافع عن العائلة وعن حقنا في الأرض.

هل يسمح لنا مفهوم الحق في المكان واستعادة المدينة بتوحيد إمكانيات العمل الجمعي لخلق شيءٍ مختلفٍ جذريًّا؟

تنطلق الدعوة من الإيمان بأن المجتمعات تمتلك معرفةً مكانيةً راكمتها عبر سنواتٍ طويلةٍ من العيش والعمل والفقد وإعادة المحاولة.

هي معرفةٌ تستحق أن تُكتب، وأن تُناقش، وأن تتحول إلى مانيفستو جماعي ينمو مع كل مساهمةٍ جديدة. مانيفستو قاعدي يستمد شرعيته من التجارب التي أنتجها الناس في مدنهم وقراهم وأحيائهم، ومانيفستو نقدي يقرأ المكان بوصفه نتاجًا لعلاقات القوة والعدالة والذاكرة والمشاركة، ومانيفستو إجرائي يبحث عن المبادئ التي يمكن أن تتحول إلى أدواتٍ للعمل، وإلى ممارساتٍ قابلةٍ للتطوير والتبادل، وإلى التزاماتٍ جماعية تساعد على بناء فضاءاتٍ أكثر عدالةً وكرامةً وانتماءً.

بهذا المعنى، تصبح كتابة المبادئ جزءًا من التعافي، وجزءًا من الدفاع عن حقوق المكان.

فكل مساهمةٍ تضيف تجربةً، وكل تجربةٍ تكشف معرفةً، وكل معرفةٍ تقربنا من فهمٍ أعمق للمكان الذي نسعى إلى إعادة بنائه، وللمجتمع الذي يكتب مستقبله من خلاله.

من هنا تبدأ هذه الدعوة.

A Manifesto for Reclaiming Place هو مشروع يعمل على كتابة مانيفستو جماعي مفتوح، ينطلق من التجارب القاعدية، ويتبنى القراءة النقدية، ويسعى إلى إنتاج أدواتٍ إجرائية تساعد على تخيل التعافي المكاني بوصفه ممارسةً اجتماعيةً مستمرة.

نفهم القاعدية باعتبارها انطلاقًا من معرفة الناس الذين عاشوا المكان، واختبروه، وعملوا فيه، وفقدوه، وأعادوا بناء علاقتهم به.

ونفهم النقد بوصفه قدرةً على مساءلة المسلمات، والبحث في البنى التي صنعت الأمكنة، وأشكال السلطة التي أعادت تشكيلها، والقصص التي جرى إسكاتها، والخيارات التي ما زالت ممكنة.

ونفهم الإجرائية بوصفها تحويل المعرفة إلى ممارسة؛ إلى أدوات، وأساليب، وتجارب، وأفكار يمكن تداولها، وتطويرها، وإعادة استخدامها في سياقاتٍ مختلفة.

لهذا لا نبحث عن وثيقةٍ نهائية، بل نبحث عن عملية كتابة، ونبحث عن مانيفستو يتغير مع كل مساهمة، ويتوسع مع كل تجربة، ويعيد اكتشاف نفسه مع كل مدينة، وقرية، وحي، ومخيم، وساحة، ومدرسة، وسوق، وحديقة، ومكانٍ قرر الناس أن يمنحوه فرصةً أخرى.

نريد أن نجمع المبادئ التي وُلِدت في الحياة اليومية.

المبادئ التي اكتشفها المعماري أثناء العمل مع المجتمع.

التي تعلمتها الفنانة من تنظيم عرضٍ في شارع.

التي خرج بها الباحث بعد سنواتٍ من الإصغاء.

التي راكمها النجار، والمعلمة، والناشطة، والبستاني، والمصور، والطفل، والجارة، وكل من امتلك تجربةً مع مكانٍ يحاول أن يستعيد نفسه.

ندعوكم للمشاركة في كتابة هذا المانيفستو الجماعي، حيث لا نبحث عن تعريفٍ واحدٍ للتعافي، ولا عن وصفةٍ جاهزة لإعادة البناء، بلّ دعوةٌ تفتح مساحةً لتجميع المبادئ التي تنتجها الممارسة، وتتعلم من الاختلاف، وتبقى قابلةً للنقاش، والإضافة، والمراجعة.

مسارات مقترحة للكتابة

المكان بوصفه معرفة

كيف ينتج الناس معرفتهم بالمكان؟ وكيف تنتقل هذه المعرفة بين الأجيال والمجتمعات؟

الذاكرة اليومية

ما الممارسات الصغيرة التي تحفظ هوية المكان؟ وما الذي يجعل فعلًا عابرًا يتحول إلى مبدأٍ اجتماعي؟

الحق في التعافي

كيف يشارك السكان في اتخاذ القرار؟ وكيف تتوزع السلطة على إنتاج المكان؟

إعادة بناء العلاقات

كيف تتشكل الثقة، والحوار، والعمل الجماعي، والتضامن، بوصفها عناصر في التعافي المكاني؟

الفنون والممارسة الثقافية

كيف تنتج الممارسات الفنية معرفةً بالمكان؟ وكيف تفتح مساحاتٍ جديدةً للتخيل والعمل المشترك؟

المخيم، والقرية، والمدينة

ما المبادئ التي تولد داخل كل سياق؟ وكيف تنتقل بين الأمكنة دون أن تفقد خصوصيتها؟

اللغة، والتسمية، والسرد

كيف تعيد الكلمات تشكيل المكان؟ ومن يملك حق التسمية، والتوثيق، ورواية الحكاية؟

الأدوات الإجرائية

ما الأساليب، والطرائق، والتمارين، والمقاربات التي يمكن مشاركتها وتطويرها لتصبح موارد مفتوحة للتعافي المكاني؟

أشكال المساهمات

نرحب بكل مساهمة تساعد على بناء هذا المانيفستو الجماعي، ومنها:

  1. المقالات البحثية والنقدية.
  2. النصوص التأملية.
  3. الشهادات الشخصية.
  4. المذكرات البصرية.
  5. الخرائط السردية.
  6. الرسوم والمخططات.
  7. المقالات المصورة.
  8. القصص المصورة.
  9. الحوارات.
  10. الوثائق والأرشيفات المشروحة.
  11. التجارب الفنية.
  12. الأدوات والمنهجيات العملية.

كل مساهمة تنضم إلى هذه العملية تصبح جزءًا من محاولةٍ أوسع لكتابة مبادئ جماعية للمكان، مبادئ تنمو من القاعدة، وتختبر نفسها بالنقد، وتبحث دائمًا عن أثرها في الممارسة.

 

Read more about the Syria Rebuilding Collective

Join the Movement